رسولنا الرحيم وتنمية روح الاجتماع لدى الطفل المسلم

خالد الطبلاوي

4/16/2018 12:25:00 AM

 

 

بينما كنت أداعب الأطفال في النادي الصيفي وألاعبهم انطلقت بي فرس الذكريات إلى الماضي البعيد، فرأيتني بين يدي جدي رحمه الله، كان يقبل ما بين عينيَّ ويضمني إلى صدره ويدعو لي بالخير حيث قال :

الحمد لله يا بُني أنك رميت خجلك وراء ظهرك، وشاركتنا اليوم في حلقة مدارسة السيرة في المسجد، وناقشت الشيخ وحاورته ولم تدفن الأسئلة في نفسك بل طرحتها بأدب وحياء ووقار.

إنك لو تدري يا ولدي كيف كان يهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفال المسلمين، ويحب فيهم هذه الروح الاجتماعية الوثابة، وكيف كان يحرص على مشاركتهم لفاعليات مجتمعهم رغم صغر سنهم، لذبت اشتياقا إلى رسولك الكريم صلى الله عليه وسلم.

ثم انبرى جدي يحكي عن مواقف الرسول مع اطفال المسلمين بينما أنا سارح بخيالي في عالم تمنيت أن أراه وأن أعيش فيه :

مداعبة الأطفال والاحتفاء بهم والسؤال عن أحوالهم

فها هو يداعب أبا عمير ويسأله عن طائر كان يلعب به فعن أنس قال: « كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن الناس خُلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عُمَيْر، وكان له طير يلعب به، فكان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيْر؟». متفق عليه

وكان يسير يوما في الطريق مع صحابته فوجد سبطه الحسين بن علي يلعب ففتح ذراعيه ليضمه والحسين يداعبه محاولا الفرار وهو يحاول الإمساك به ويضاحكه.

وكان يداعب الأطفال بالماء فيدفعه بفمه تجاههم فيروي محمود بن الربيع: «عقلت مَجَّة مجَّها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلو». متفق عليه

ترغيب الصغار في حضور الصلوات ومجالس العلم

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العشاء؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذًا رفيقًا ويضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه. رواه أحمد.

وكان يخفف من الصلاة إذا سمع بكاء الطفل رحمة بأمه «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي؛ كراهية أن أشقّ على أمه»، وذات يوم نزل من منبره وهو يخطب المسلمين لما رأى الحسن والحسين يتعثران في ثوبهما فحملهما وصعد بهما المنبر ثم أكمل خطبته.

 وكان يسمح لبعض الغلمان كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر أن يحضروا مجلسه ومع أصحابه ليفقهوا وينضجوا.

مشاركتهم الطعام وتعليمهم آدابه

كان يشاركهم الطعام ليعلمهم آدابه ويكسبهم الشجاعة والجرأة المحمودة فها هو يعلم ربيبه (ابن زوجته أم سلمة) عمر بن أبي سلمة وهو يأكل معه فيقول : ((يا غلام، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك)) متفق عليه فلم يعنفه بل علمه برفق فتأدب وشب حتى صار سيدا لقومه.

الاعتناء بالبنات والاهتمام بهن

وكان يعتني بالبنات مخالفا لعادات العرب، فكان يحمل حفيدته أمامة بنت زينب ابنته بل يصلي بها وهي على عاتقه.

وهذه صحابية جليلة تُدعى أم خالد دخلت مع أبيها على النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت تتعلق على ظهره وتلعب بخاتم النبوة، وأبوها يحاول أن يمنعها فيأمره النبي بتركها ويدعو لها بطول العمر، وما هذا إلا ليبث في نفسها روح الاجتماع وتتعلم محادثة الآخرين وإن كانوا عظماء فلا تهابهم.

الاعتراف بحقوقهم والحفاظ عليها

فها هو يحذر من الكذب على الأطفال عن عبد الله بن عامر قال «دعتني أمي ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: هَا تعالَ أعطك، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما أردت أن تعطيه ؟ قالت: أعطيه تمرًا.  فقال لها: «أما إنك لو لم تعطه شيئًا لكُتبت عليك كذبة». حسنه الألباني

ويعطي الصغير حقه في الشرب بعده حيث كان يجلس عن يمينه فاستأذنه أن يعطي الكبار الجالسين عن شماله فأبى الطفل لأنه يرجو بركة الشرب مكان النبي صلى الله عليه وسلم قائلا : لا والله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا». حسنه الألباني

الاهتمام بالنوابغ

وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنه منذ صغره والرسول صلى الله عليه وسلم يردفه على الدابة ويحدثه ويعلمه، يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك.... إلى آخر الحديث. وها هو يدعو له عندما أخبرته أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث أن عبد الله أعد له ماءً لوضوئه فقال : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.

بل كان يأخذ بيده ويجعله بجواره وهو يقيم الليل ليزيل عنه الرهبة.

وكانت الثمرة أن أصبح عبد الله بن عباس حبر الأمة الذي كان يقربه الفاروق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين مع كبار الصحابة ويقول عنه : إنه " فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول".

إشراكهم في خاصة أمره

وهذا أنس بن مالك جاءت به أمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليخدمه فقبله ودعا له بخير، وكان يوجهه برفق ولين، يقول أنس رضي الله عنه " خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما ضربني ضربة، ولا سبني سبة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، فكان أول ما أوصاني به أن قال: «يا بني اكتم سري تك مؤمنا» فكانت أمي وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألنني عن سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا أخبرهم به، وما أنا مخبر بسرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً أبدا».

حضورهم أصعب اللحظات والقيام بأصعب الأدوار

فهذا علي بن أبي طالب ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة ليخدع المشركين من جهة ويرد الأمانات إلى أهلها من جهة أخرى.

وهذا معاذ بن عمرو و معوذ بن عفراء رضي الله عنهما يتسابقان أيهما يقتل أبا جهل في غزوة بدر لما علما أنه كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم  في مكة.

وهذا الزبير بن العوام - حواري الرسول صلى الله عليه وسلم – قد أسلم وهو طفل في الثامنة، فلما أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتل استل سيفه وسار في شوارع مكة يتوعد المشركين حتى تأكد من سلامة الرسول صلى الله عليه وسلم.

فما أسعدكم يا أطفال المسلمين وقد جعلكم الله من أمة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وما أحراكم أن تسيروا على نهجه لتكونوا اللبنات الصالحة لمجتمعكم وأمتكم.

 

 

 

     

التعليقات

: أساسي
: ثانوي
: الخطوط العريضة
: الجزء السفلي
: القائمة